Lundi 26 décembre 1 26 /12 /Déc 14:57

أسرار من الوطن

الشاب الجزائري دحماني سمير الذي اخترع برنامج الفيروس(HD)

وهو مزيج من مجموعة فيروسات بسيطة تتكون من: 

: فيروسات التشغيل (Boot Sector Virus)
وهو الذي ينشط في منطقة نظام التشغيل وهو من اخطر أنواع الفيروسات حيث انه يمنعك من تشغيل الجهاز
2: فيروسات الماكرو (Macro Virus)
وهي من اكثر الفيروسات انتشارا حيث انها تضرب برامج الاوفيس .
3: فيروسات الملفات (File Virus)
وهي تنتشر في الملفات وعند فتح أي ملف يزيد انتشارها ..
4: الفيروسات المخفية (Steath Virus)
وهي التي تحاول آن تختبئ من البرامج المضادة للفيروسات
5: الفيروسات المتحولة (Polymorphic virus)
وهي الأصعب على برامج المقاومة حيث انه صعب الإمساك بها وتتغير من جهاز إلي آخر في أوامرها ..
6: فيروسات متعددة الملفات (Multipartite Virus)
تصيب ملفات قطاع التشغيل و سريعة الانتشار ..
7: فيروسات الدودة (Worm)
وهو عبارة عن برنامج ينسخ نفسه على الاجهزه و يأتي من خلال الشبكة و ينسخ نفسه بالجهاز عدة مرات
حتى يبطئ الجهاز وهو مصمم لإبطاء الشبكات لا الأجهزة
8: الباتشات (Trojans)
هو أيضا عبارة عن برنامج صغير قد يكون مدمج مع ملف آخر للتخفي عندما ينزله شخص و يفتحه يصيب
ال Registry و يفتح عندك منافذ مما يجعل جهازك قابل للاختراق بسهوله و هو يعتبر من أذكى البرامج
فمثلا عند عمل سكان(scan) هناك بعض التورجن يفك نفسه على هيئة ملفات غير محدده فيمر عليها السكان دون التعرف علية
و من ثم يجمع نفسه مره ثانيه
وأخطرها
على الإطلاق هو شيرنوبل و مالسيا و فيروس الحب Love ..

وقام هذا الأخير بتطوير البرنامج

ومن خلال هذا البرنامج قام بالاستيلاء على مبلغ 450مليار من بنك BNA

 نحو بنك في أوربا مستعملا اسم مستعار مع جواز سفر مزور.وهو ألان في حالت فرار.مما أدلى هذا الأخير أمام وكيل الجمهورية انه ليس لديه علاقة في الموضوع و ترك تحت المراقبة و منع عليه السفر إلا انه انتظر الفرصة المناسبة للفرار وكان ذلك؟

دحماني سمير:شاب يبلغ من العمر 24سنة خريج

جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا

génie informatique

Par أسرار الجزائر
Voir les 0 commentaires
Mardi 20 décembre 2 20 /12 /Déc 14:08


- إنه ضابط سيء السمعة ومحتال ولص!

قلت:

- ماذا تعرف عنه؟!

رد:

- ينصب على الناس بدعوى أنه سيلبي لهم مطالبهم كل وقته يقضيه مع العاهرات و... يبعثر أمواله يمينا وشمالا لا نعلم من أين جاءته؟ وكشف الله أمره!

ثم يستدرك:

- ناديتموني من أجل ذلك "السرّاق"!

فيرد عليه إبراهيم الذي كان منشغلا بالتحدث لأحد المساجين جاءه في أمر ما:

- نريد أن نجرّب شيئا...!

يشمر على ذراعيه كأنه يستعد لشجار ويقول:

- أنا جاهز...!

يشده إبراهيم من ذراعه قائلا:

- ليس للشجار مراد... سنقول لك كلاما حاول أن تنشره في الباحة لنرى نتيجته فيما بعد!

استدار نحوي وكنت منشغلا بما سمعته عن حبيب، الذي تحوّل إلى ما لم نتوقعه وإن كنّا نراه عجولا للمال ولكن ما راودنا الظن من الحال سيصل به إلى السرقة والحرابة والاحتيال... قال مراد:

- وإن كنت لم أفهم أموركم أنتم مثقفون لكن تفضلوا أنا جاهز!

فأقول:

- نريد فقط معرفة مدى انتشار الخبر بين المساجين...!

فيرد مراد:

- النملة تصبح فيلا والأسد عنزة!

اقترحت فكرة العفو الشامل يوم الأربعاء 02 جويلية، وأن أحدنا له صهر شقيقه عقيد في الأمن العسكري جاءه بالخبر اليقين، أعجبت إبراهيم الفكرة ووافق عليها لأنه لا شيء يشغل بالهم سوى الخروج من السجن... حملها مراد وانطلق ليرويها لأحدهم ... أما إبراهيم فقال لي:

- سيأتينا الخبر اليقين بعد دقائق!

انتشر الخبر واستشرى، وشاهدتهم يتناولونه جماعات جماعات، لم نلبث إلا حوالي ربع ساعة حتى عاد رياض الذي يشتغل في المطعم، لا ندري كيف بلغه الخبر الذي نسجناه في الباحة وهو غائب مع رفاقه ودخل لتوّه؟ جلس إلينا، وجهه يشعّ بالبشرى قائلا:

- جئتك يا إبراهيم بخبر رائع!

استدار نحوي إبراهيم وابتسم، لقد تيقن من الشيء الذي بقينا في انتظاره، إلا أنه أظهر لرياض لهفته وإلحاحه الشديد لمعرفة الخبر الرائع قائلا:

- خيرا إن شاء الله... تكلّم!

وفعلت الأمر نفسه... فيجيبنا رياض:

- لقد أخبر النائب العام الخدمات، بأن العفو العسكري سيكون يوم الأربعاء 02 جويلية، وقد شاهدوا كتّاب الضبط وهم يفرزون الملفّات لأجل العفو...!

هنا تأكدت أنه لا يمكنني معرفة الحقيقة أبدا، وأن إبراهيم صادق فيما قاله عنها من كلام يشبه الحكمة لحد بعيد... فقصة حبيب لا يعرفها سواه وهيئة المحكمة لذلك تمنيت رؤيته، فكما ذكرت سابقا أن السجين دائما يتمنّى رؤية من يعرف قبل سجنه، فبقدر ما تعرفنا على رفاق طيبين ربما أطيب من الآخرين بقدر أننا لا نثق في بعضنا البعض، كما نثق فيمن جمعتنا معهم الدراسة والطفولة ومسقط الرأس وحتى ذكريات في العاصمة...


ليلة لحمّى السجن...!
كان الحراس دائما يضايقونني بأمر الخدمات، وهو أول شيء أزعجني وأنا في الطريق من المحكمة للسجن برفقة النقيب زرارقي حمود، إلا أنني دائما أتحجج لما يطلب منّي أحدهم الخروج، أجيبه بما نصحني به إبراهيم وغيره:

- أنا ضابط!

يختلف رد فعلهم كل واحد حسب ما يحمله في صدره من شجون وعواطف وضغائن، وفي عقله من تصورات وأفكار، فيهم من يجدها فرصة للنيل منّي لضغينة ما يحملها لضابط ما، وآخر يبرز ما يعجز فيه خارج السجن... كنت أملأ فراغي إلى جانب الدردشة واللهو مع إبراهيم بكتابة الشعر والرسائل للرفاق، فمنهم من يكتب لحبيبته التي يستأنس بطيفها، منهم من يكتب لصديق يسهر على شؤونه في غيابه... اختلفت وجهات الرسائل واختلفت عواطف المساجين، وإن كانت تجمع على شيء واحد ألا وهو الظلم!!... كنّا في الباحة نجتمع ونتحدث في الأدب والشعر والماضي الغائر في سحيق الأيام، فإذا فرغنا مما نعرف نستلهم من الخيال ما يملأ فراغنا ويشبع نهمنا برغبة التحدي، والمضي قدما نحو أمل قد يكون مرتقبا... إذا عدنا إلى الزنزانة تجدنا نصلّي ونحفظ القرآن الكريم، ثم نتناقش في قضايا الفقه والشريعة والسياسة، وحتى حول حياتنا المتناثرة عبر الوحدات والثكنات، أو أيام قضيناها في الجبال بحثا عن "الإرهابيين"، طالما شفنا الموت حذو نحورنا أو أقرب... من بين ما حدث لي ولن أنساه أنني مرضت يوم الأحد 06 جويلية، بعدما ضاع حلم آخر عشت على نغمه أياما، ووصل بنا أن جمعنا أمتعتنا ننتظر العفو الرئاسي... من حنقي أصابتني الحمّى التي تعتبر حمى لا تمس إلا المساجين، وكانت معها ليلة قاسية، ومما أذكره أنني نهضت صباحا وأنا أحس بدوار في رأسي بعد ليلة كلها كوابيس وأرق... دخت لما شممت رائحة ما يسمى تجاوزا بالحليب كدت أن أتقيّأ... نزلنا إلى الباحة وجلست في ركننا المألوف وقد أخبرني الرفاق أن وجهي صار مصفرّا يجب عليّ الذهاب للطبيب، عندها يصل إبراهيم متأخرا كالعادة والذي انتبه لأول وهلة، أحس بحرارة عالية تحرق وجهي وجسدي، فنحن اعتدنا أن نسلّم على بعضنا البعض في كل لقاء... وقد تملّكه القلق قال:

- إنك مريض... حمّتك عالية!

أومأت له برأسي ولساني يتلعثم:

- صداع فظيع يفجّر رأسي!

وهو يهم بالذهاب قال:

- سأحضر لك الدواء!

قفل نحو زنزانته مسرعا، كان الحراس يحترمونه جدا، فالجميع يمنع عليهم الدخول إلى البناية في أوقات الإستراحة إلا لضرورة ملحة وبأمر من قائد فوج الحراسة وتحت رقابة مشددة، ذلك بسبب تفشّي السرقة بين المساجين بصورة مقززة، وخاصة لعلب السيجارة وأكياس الشمّة، فتجدهم يحملونها في جوارب ويتحزّمون بها لأنهم كانوا لا يثقون حتى في الحرّاس، فضلا من أن السيجارة عملة نادرة يعاني من نقصها المساجين، فأغلبهم يقطنون بمناطق بعيدة ونائية إما أن أهلهم لا يزورونهم بسبب البعد أو عدم علمهم بحالتهم وورطتهم، حتّى حق المسجون في التسوّق من ماله المودع في أمانات السجن لم يحدث إلا مرة واحدة على مدار الخمسة أشهر التي قضيتها... وهناك من يرسل له أهله طردا (colis) فيها السيجارة والشيكولاطة والبسكويت والقفريط وهي الأشياء المرخص بها فقط، حتى في الزيارات يمنع إدخال أي شيء، وله الحق في الطرد مرّة واحدة كل شهر وعلب السيجارة لا تتجاوز العشرة وإن تجاوزت فالزائد عن العدد المرخص به مصيره سلة المهملات وهي جيوب الحراس طبعا، وحسبما سمعت أن هذا القانون تم تشريعه لما إنتشرت المخدرات بين المساجين، حيث يتم إدخالها في التمر بدل النواة أو غيرها من الأكلات الأخرى التي يصعب تفتيشها، بل أنه تم إدخال حتى الأدوية المحظورة والتي يستعملها المساجين ليتم تحويلهم إلى المستشفى ويقضون به أياما من أجل راحة يرونها... كما ذكرت سابقا فقد سرق مني كيس أدوات النظافة والكأس الذي نحاسب عليهما عند الخروج مما أقلقني، لولا توايتية بوجمعة وهو سجين من مسقط رأسي أحضر لي غيرها، وأخبرني أنه تصرف بذكائه ليومنا هذا لم أعرف مصدره...

عاد إبراهيم بعد دقائق معدودة ومعه قرصين من دواء (UPSA C)، الذين خفّفا عنّي بعض الشيء وأحسست كأن جبلا قد رفع من على قفاي، ثم نصحني أن أستحمّ بالماء البارد وهو دواء شافي، حيث كان النزلاء يستحمّون في الباحة من شدة الحر وإن كانت أهون من حرّ الزنازين، أما أنا فمنذ نزولي البناية أعارني إبراهيم دلوا (برميل) يسع ثلاثين لترا لونه أزرق، كنت دائما أملأه بالماء وأعرضه لأشعة الشمس، فيغلي في دقائق من شدة الحرارة، بعدها أحمله إلى الزنزانة وأستحم منه أنا وكل زملائي في المرحاض... أخذت بما نصحني به صديقي في المساء، واغتسلت بماء دافئ لأنني لا أحتمل الماء البارد، إلا أن الحمّى تضاعفت حتى أغمي علي وقضيت لحظات من الألم لم أر في حياتي زيّها، بات محمد التموشنتي ساهرا على راحتي حتى الصباح... ومما قام به أنه لمّا اشتد بي الأنين وتصفّد جبيني عرقا ودخلت في غيبوبة، راح يضرب بقبضتيه وبكل قوته على باب الزنزانة، حتى وصل صراخه لطاقم الحراسة، فحضر الحارس المكلف بالبناية وأخبره بمرضي وحالتي الخطيرة، إلا أنه رد عليه بكلام فاحش وبذيء ونال قسطه محمد من الشتم... ختامه:

- ما عندي شيء أفعله لست طبيبا... أتركه يموت... يموت... كلب!

يتبع...
هبة الرحمان
10-05-2008, 02:07 PM
بارك الله فيك على المجهود
admin
04-19-2009, 12:29 PM
الحلقة الخامسة

<H1 style="FONT-SIZE: 16px; FONT-WEIGHT: normal">في الزنازين القذرة (5)..شهادة الضابط الفار من الجزائر (http://mahdymoustafa.maktoobblog.com/653480/%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%86%d8%a7%d8%b2%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b0%d8%b1%d8%a9-5%d8%b4%d9%87%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b6%d8%a7%d8%a8%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7/)</H1>






في الزنازين القذرة (5) (http://www.watan.com/index.php?name=News&file=article&sid=4871) 








"شهادة مثيرة لضابط جزائري لاجئ هربها من وراء قضبان سجن البليدة العسكري وخفايا عن حياة وراء الشمس وأسرار العسكري والسجين السابق حبيب سوايدية التي لا يعرفها أحد"

بقلم: أنور مالك –كاتب وصحفي مقيم بفرنسا



الحلقة الخامسة
نعتنا بما نستحي من ذكره بل أترفع من التخمين فيه بيني وبين نفسي، وتسلل كلامه إلي وكنت منهك القوى لا أستطيع حتى الحركة أو الكلام فزاد الحمى اشتعالا… في ليلتي هذه زار خيالي كل ركن من الماضي، وقد تذكرت أمي عندما تشتد بي الحمّى وما تقدمه لي من إسعافات وتسهر على راحتي حتى الصباح، لقد بكيت وانتحبت نحيبا تشققت له الجدران… أيام دراستي في مدرسة قصر الزهراء… تذكرت طفولتي بين الحقول والمراتع… أيام ثانوية مالك بن نبي بتبسّة… جامعة عنّابة… أيام التدريب في المدرسة العليا للدفاع الجوي للإقليم (ESDAT) بالرغاية… تذكرت والدي وحكايات الثورة، وما كان يرويه عن جدي وأسرتي وعمي الذي اغتالته المخابرات الفرنسية بجامعة الزيتونة في تونس… جدتي العزيزة رحمها الله وحكاياتها التي تثلج الصدر… خالي الذي ذبح بجبل الدكان ذات شتاء من عام 1984 وكان لموته الأثر البالغ في قلبي ونفسي… بات محمد (جزاه الله خير الجزاء) ساهرا عليّ، يبلل منشفة ويضعها على جبيني لتخفف من حدة الحمّى التي تنخر عظامي كالسوس، وكانت بالفعل دواء شافيا، عادت لي عافيتي بعدما يئست من الشفاء، وصرت أنتظر اللحظة التي تستلّ فيها روحي من تحت إبطي، فحمّى السجن لا يعرف مداها إلا من تذوّق مرارتها ولحس علقمها، وهي أكيدة يتعرض له كل من يدخل السجن وتختلف من سجين لآخر، فتجد المعتادين أول ما يخافونه الحمى المرتقبة التي لا يسلم منها أحد بسبب تغير ظروف الحياة عليه… في آخر الليل استعدت بعض عافيتي، فطلبت من محمد أن يأوي لمكانه ليأخذ قسطه من الراحة، عمل برغبتي وقد تعب التعب الشديد، حينها تسلل لسمعي صوت الآذان، تحديت مرضي وبحر العرق الذي أغرق فيه من الحمى وحرارة الطقس التي لا تطاق، توضأت وقرأت بعض القرآن، ثم صلينا الصبح جماعة وقد أمّنا السعيد، بقيت مستيقظا حتى جاءنا عناصر الخدمات يحملون ما يسمى بالحليب… خرجنا بعدها للباحة وفق النظام المعمول به، فوجدت إبراهيم قلقا مغموما يفكر في حالي، وقد سمع البارحة صراخ محمد، الذي أخبر الحارس برقم الزنزانة وهو يسأل عن مصدر النداء… علمت أنه بات ليلته خائفا ومرعوبا علي لأنه يعرف حمى السجن، التي قد تقتل أحيانا كما فعلت بالبعض ممن يعرف قصصهم هو، وما حكى لي إلا عن شخص مات بسببها في زنزانته… حمد الله لي على الشفاء وهنا وجد متسعا للحديث عن المرض والمرضى في السجن، وما يعانونه من الإهمال واللامبالاة، فلا يلقون رعاية ولا علاجا ولا أدوية… فقد خصصت زنزانة يسهر عليها طبيب سجين وبعض الأدوية التي لا تمثل شيئا، فلولا ما يحضره الأهل لأبنائهم من خلال وصفات الطبيب لمات الكثيرون… حتى أنه قال:

-… الأغرب من كل ذلك أنهم يعودون إلى ثكناتهم… فلو كانوا مدنيين يعودون لبيوتهم فما الذي سيحدث لهم؟!

ثم راح يحدثني عن ولديه، اللذين اشتاق إليهما لحد الجنون، ولم يراهما منذ أن وطأت قدماه السجن، رفض رؤيتهما خوفا على شعورهما، وظلت الأم المسكينة تتحجج بأسباب غيابه على أنه في مهمة خارج الوطن… بينما نحن في غمرة الخوض بغمار ما يوجع القلب ويدمع العين وإذا بسجين يقبل عليّ، ومن بين الذين انضموا لركننا حديثا، هو من مدينة بوحمامة ولاية خنشلة ويحمل رتبة رقيب أول وكان يعمل في ثكنة بالرويبة ولاية بومرداس، أثار اهتمامي وأحببته لقلمه الجارف السيّال ولسانه السلسبيل في كتابة الشعر والخواطر… راح يطمئن على صحّتي وحالي، ثم قرأ لي آخر ما أبدعته أنامله من نص يثير شهوة الغواية داخلي نحو احتراق جديد فوق دفاتر عذراء، صارت هي عزائي الوحيد في هذا المنفى… حتّى أنني قررت في تلك الجلسة أن أهديه اسما مستعارا فقال لي:

- ذلك يزيدني فخرا…! 

فكرت مليّا… ثم قلت:

- أبو حمامة العربي…!

سلّم عليّ مندفعا وراح يكتبه في دفتره وبخطّه الجميل… ولسانه يلهث:

- لن أبدّله ما حييت…

ضحك إبراهيم وقال له:

- لهذا يجب أن تتزوج وتنجب بنتا اسمها حمامة!

قلت:

- وإذا أنجب الذكور فقط!

رد ضاحكا:

- يسمي واحد منهم حمامة أيضا…!!

خلال هذه الأيام وقع الضغط علينا في ما يخص الخدمات، وطبعا هو ما يطلق على المساجين الذين يشتغلون، كل حسب ما خصص له من طرف إدارة السجن، وأذكر أنه زارنا ضابط السجن وهو يحمل رتبة ملازم أول يعمل كمراقب عام، ووجدنا نجلس في ركننا المعتاد ليهيج غاضبا من جلوسنا بلا فائدة ترجى، راح يذكرنا بأننا لا نساوي شيئا ونحن مجرد مساجين نخضع للأوامر كيفما كانت، بالأحرى موقوفين، فكلمة سجين مرفوضة رفضا قاطعا، حتى في المراسلات الرسمية التي نتقدم بها للإدارة، فإما أن نكتب "الموقوف غير المحكوم عليه" بالنسبة للذين لا يزالون رهن الحبس الاحتياطي، وإما أن نكتب "الموقوف والمحكوم عليه نهائيا" بالنسبة لنا ولغيرنا المحكوم عليهم نهائيا، وأذكر أنني سألت إبراهيم عن ذلك فأجابني وملامحه تتوزع بين السخرية والجد… فقال:

- إن كنّا مساجين وهي الحقيقة فهم سجانون… وهذا ما يرفضونه دائما وإن كان ذلك واقعهم!

سألته:

- أرى أننا ما دمنا كذلك، ونعيش في زنزانة وهم من يسهر على سجننا لا تهم المصطلحات… فماذا ترى أنت؟!

يجيب وهو يتفرّس في وجوه النزلاء:

- التاريخ… هو الوحيد الذي لا يرحم أحدا!

أمر الضابط أن نجتمع كما اعتدنا على ذلك، فشكلنا فصيلة لا يتجاوز تمامها العشرين سجينا… راح يمر علينا الواحد تلو الآخر إلى أن جاء دوري، وكنت أقف بجنب إبراهيم وقبل أن يتحدث لي أمر إبراهيم بالذهاب لمكانه فهو يعرفه… سألني:

- لماذا لا تشتغل؟!

بما أحتجّ به دائما قلت:

- إنني ضابط…!

ضرب على صدري بكفّه وقال:

- كنت ضابطا…

زدت على ذلك:

- وسأبقى لأنني سأعود لثكنتي!

لم يعجبه كلامي ولم يكمل حتى استنطاق الآخرين… قال بعنجهيّة ونظرات الإحتقار تلحسني:

- سوف أحولكم جميعا إلى البناية " E"…

ثم استدار إلى الناظر وخاطبه:

- سجّلهم في قائمة الخدمات ومن يرفض أحضر لي اسمه وسوف يرى…!

استبد بي الحنق من كلامه، فقد صرت قاب قوسين أو أدنى، لا أريد مغادرة رفاقي ولا أشتغل فقد أقسمت سابقا أنني لن أفعل ذلك ولو قطع رأسي… عدت لإبراهيم الذي طمأنني بعض الشيء فالناظر لن يسجلني أبدا، وهذا الذي أعاد لي الطمأنينة بعض الشيء وإن كان شبح الخوف المارد يتمرغ بعمقي…

الناظر الجديد..

خلال الفترة التي مضت بدأ رفاقي الواحد بعد الآخر في الخروج من السجن، بعدما أكملوا مدة عقوبتهم، فقد أفرج عن الريو الذي أطلق عليّ اسم "المنفلوطي" لما رآني لا همّ لي سوى الكتابة والشعر والأدب وكريم العنّابي وآخرين… وكان لذلك النزيف أثره البالغ على نفسيتي، وصرت أتمنّى أن أغمض عينيّا ثم أفتحهما وأجد نفسي في مثل أفراحهم، حرّا طليقا، لأن فرحة الفرج لا نظير لها… وشهدت مجالسنا التحاق رفاق جدد أذكر من بينهم الشاب حميمو وهو من ولاية معسكر وله صوت جميل في أداء أغاني الراي، أخبرنا أنه مهتم بالفن وله علاقات وطيدة بكثير من مطربي الراي، وإن كان قد انضم إلينا من قبل إلا أن جلوسه معنا غير دائم، يقتصر على بعض الدقائق وتحت الإلحاح الشديد، لكنه في الأيام الأخيرة صار يداوم على مجالستنا ويطربنا بأشهر أغاني الراي ويساعده الشاب عتو بأشهر أغاني عبد الوهاب الدكالي… 

بعد يوم وبينما كنّا جالسين صباحا رفقة شلّتنا، وفي بعض الأحيان نسكن للشعر الذي يروح على قلوبنا الصدئة، نتحدث عن الناظر الذي أودع زنزانة انفرادية خصصت للعقوبات التأديبية، وحسبما روي لي أنها زنزانة عادية كباقي الزنازين الأخرى تقع في البناية "B "، ولكن جدرانها مصبوغة بدهان أسود، لا ضوء فيها ولا تصلها الأشعة حتى تلك المتسللة عبر الثقوب، وقد قيل أنها لا يشبهها سوى القبر، الفرق الوحيد بينهما أن المدفون بها حيا تتقاذفه أنفاس متوجعة… رحنا نتساءل ونلوك ما قيل عن الأسباب التي دفعت بالمدير الرائد عبد الحق عيسو إلى عزله ومعاقبته، فهناك من يزعم ويدعي معرفته بالحقيقة، وزادت تساؤلاتنا عن خليفته، فراحوا يرجحون مساعده عبد الله إلا أن إبراهيم استبعد ذلك قائلا:

- عبد الله لا يحسن القراءة ولا الكتابة جيدا إنهم يحتاجون إلى مثقف وغالبا ما يكون من الضباط!!

داعبته:

- لو يعينوك أنت!

- إنهم لا يعينون مريضا مثلي…!!

وبينما كنا غارقين في شتات الاحتمالات المتعددة، وإذا بصوت مبحوح لا يتجاوز حنجرة صاحبه ينادي على خدمات المطعم، لم أنتبه له بادئ الأمر فلقد كنت أجلس وباب الباحة ورائي، إلا أن إبراهيم يندفع مشيرا بسبابته ويلهج قائلا:

- حبيب… إنه حبيب… أنظر!

التفت نحوه بحماس ووجدته بباب الباحة يجمع الخدمات، لم أتعرّف عليه فقد تبدلت ملامحه كثيرا وتغير شكله، وإن كان نحيلا وضعيف البنية من قبل، إلا أنه صار أنحلا ووجهه أسودا ربما للفترة الطويلة التي قضاها في السجن وقد تجاوزت السنتين… وقفت من مكاني منبهرا حيث كنت أجلس، انتابتني رغبة ملحّة في التقدم نحوه لملاقاته، فلي فترة طويلة لم أراه بسبب ظروف العمل بالنسبة لي وله أيضا، أشفقت عليه وكدت أن أطير نحوه لمعرفة أحواله وقصته المشئومة الدامية التي أوصلته إلى حال لا يحسد عليها أبدا… إلا أن إبراهيم شدّني من يدي اليسرى وهو يقول:

- أجلس… نؤجّل اللقاء به حتى وقت لاحق هو الآن جديد في مهمته… وتعرف أن صالح هو رئيس الفوج!

ويزيد على ذلك:

- لا يصدق أبدا… حبيب هو الناظر!

كنّا نظن بل متأكدين أن اختيار الناظر يتم بواسطة علاقات نافذة من خارج السجن، تكون غالبا مع المدير… فقد كان يروى الكثير عن الناظر السابق وعن مدى معارفه ونفوذه وأكتافه، فضلا المال الذي يملكه فقد قيل أنه متّهم باختلاس الذهب من محلات أثناء مهمته العسكرية في مكافحة الإرهاب… بواسطة كل ذلك تم اختياره ناظرا، وهو ما يحلم به الكثير من المساجين إن لم نقل أغلبهم، خوفا من أن نتهم بالمبالغة، لما ينجر عن المنصب من مميزات وفوائد، أهمها ما نحن في حاجة إليه وهو الأكل، كنا نراه يتناول وجبته على طاولة الحراس وطالما شفناه يحمل بين ذراعيه التفاح والعنب والبطيخ… إلى غرفته مما يسيل اللعاب، لأننا محرومون منها ولا نتخيلها إلا في المنام، في بعض الأحيان نتفادى ذلك خوفا من الاتهام… ومما يتداوله المساجين أن أحدهم ممن حكم عليهم بأكثر من عشر سنوات اشترى بطيخة بثلاثة ملايين سنتيم، وآخر دجاجة بعشرة ملايين سنتيم، حيث أن الحارس يتنقل لأسرة السجين والذين تلقّوا الأمر بتسليمه المبلغ أثناء الزيارة ويستلم غنيمته، وإن كانت كلها مجرد حكايات لا نعرف الغث من السمين فيها، أو الصادق من الكاذب، فلا أحد يمكنه الاعتراف بها خوفا على نفسه من بطش الحارس الذي مضى معه الصفقة أو حتى الإدارة، وأيامه في السجن طويلة… إلا أنها تؤثر تأثيرا بالغا على عواطفنا وقلوبنا…!

سألت إبراهيم:

- هل تظنّه وصل بمعارفه…؟!

رد أحدهم لا أذكره كان يجلس بيننا وأكد قائلا:

- وهل عينوه ناظرا لله؟!

أجاب إبراهيم:

- حبيب قد عانى من مرض نفسي، وصل به إلى درجة كبيرة، وكان السبب في تحويله من البناية "B " إلى البناية "E " قبل أن يكمل المدة القانونية… وأظنّهم اختاروه بطلب من الطبيب النفساني!

لأول مرّة أعلم بأنه يوجد في السجن طبيبا نفسانيا سألته وإن كنت مهتما بموضوع حبيب:

- وهل يوجد هنا هذا الطبيب؟!

أجاب بسخرية:

- هو في الحقيقة شبه طبيب إلا أنه يحاول مساعدة المساجين من حين لآخر!

- ألا يوجد ضباط غير حبيب!!

زاد إبراهيم:

- كثيرون جدا… فهناك ماحي الذي نراه دائما في المطعم يلبس نظارة وهو عقيد في البحرية والنقيب مردود وهو دكتور متخرّج من جامعة فرنسية…الخ.

- إذا اختيار حبيب ليس بعادي!

وصل لتوّه شاب أذكر أن اسمه ياسين وكان عسكري يؤدي واجب الخدمة الوطنية، يحمل رتبة عريف ويعمل منظفا في المحكمة، دائما يروي أنه أكل من دجاجة العقيد قائد وحدته ولما اكتشف فعلته قدمه للقضاء، وإن كان زملاؤه يروون عكس ذلك تماما، فهو يعمل بمخزن التغذية ويقوم بسرقة دجاجات من الثلاجات ويبيعها للجزارين في الأسواق خارج الثكنة… جلس إلينا مسلّما ثم قال:

- هل رأيتم الناظر الجديد؟ إنه كمندوس ومن تبسّة يقولون أنه قتل لوحده في كمين عشرين إرهابيا… حتى خاله عقيد وهو صهر اللواء سعيد باي قائد الناحية العسكرية الأولى…!

ضحك إبراهيم ساخرا منه وقد عاش مع حبيب في البناية "B"، ويعرف عنه بعض ما كان يرويه للمساجين عن بطولاته في الزبربر مع الجماعات الإسلامية المسلحة وخاصة "GIA"…

فقال إبراهيم:

- وقد روى لي أنه قتل عدة إرهابيين ومنهم جعفر الأفغاني أو… المهم قتل رأسا كبيرا من العائدين من أفغانستان…!

وهنا وجدت فرصة لأسأله:

- هل ما زال حبيب يحب الكمندوس كما كان من قبل؟!

يجيب:

- أنت تعرفه أكثر منّي… حبيب الذي عرفته شابا مغمورا ومتهوّرا ومتناقضا يروي اليوم شيئا وغدا نقيضه لذلك لا تستطيع فهم أي شيء منه… يحب التفوق والظهور بأوسمة تميزه دائما…!

وأنا أعرف حال المساجين وهو ما يتعلّمونه من وراء القضبان، يتفننون دائما في تبرئة ذمتهم أمام الآخرين وإن دخلوا متهمين يخرجون ممن يتقنون اللف والدوران… فقلت:

- هكذا من قبل وتعرف السجن سيزيد حاله سوءا!

رد ياسين الذي كان يتابعنا بنهم وشغف:

- الله يسترنا منه…!

والناظر ويطلق عليه "البريفو" يحمل نفوذا وسلطة واسعة على المساجين بأمر من القيادة، فإن أشار على أحدهم خالف أمره أو أراد به سوءا، فسوف يتعرّض لعقاب شديد ويسلّط عليه ما لا تحمد عقباه… وقد حضرت لأحداث كثيرة، أذكر منها أن الناظر السابق أراد أن يخرج سجينا للخدمات ضمن مجموعة الصباغة والورشات فرفض وعصى الأمر، حاول أن يخرجه بالقوّة لكنه رد عليه بوابل من الشتائم والسباب واللعان فشكاه للحراس… ورأيت مشهدا لم أراه في حياتي إلا في أفلام الرعب والعنف الهوليودية، عرّوه من لباسه كيوم ولدته أمّه ولم يستروا حتى عورته… ثم علّقوه في قضبان باب الباحة "B "، التي كانت خالية من النزلاء، ورشّوه بالماء ثم انهالوا عليه بحبل سميك كهربائي "Câble " وعصا غليظة وقضيب بلاستيكي جاف… تداولوا عليه بالضرب المبرح، وهو يصرخ بلغ صوته عنان السماء، حتى اقشعر جلدي مما سمعته ولم أتحمّل رؤيته ولا حتى سماع صوته، وبكاؤه كباقي النزلاء الذين راحوا يتفرّجون عليه من باب الباحة، كأنهم يتلذذون بشيء يرون أنفسهم محظوظين لما سلموا منه… بقي على تلك الحال مغميا عليه ومعلقا في الباب حتى المساء، ثم نقلوه إلى باحتنا عن طريق الخدمات ملفوفا في بطّانية، وكان جسمه ينزف دما… بقي على هذه الحالة المؤلمة لا يستطيع النوم أكثر من أسبوعين، لايزال أنينه يقرع طبلة سمعي حتى الآن…!

وأيضا أن الناظر هو عين مدير السجن على المساجين والحراس، فيمنعهم من التجارة والبزنسة وتجاوز ما لا يرضاه، واكثر من ذلك أن أعوان السجن يخافون من الناظر اكثر من خوفهم من رؤساء الأفواج، لأنه يتمتع بعلاقة وثيقة ورعاية خاصة مع قيادة السجن وحتى النيابة العامة لدى المحكمة…

اللقاء الأول مع حبيب سوايدية…

في الحقيقة أن الليلة التي قضيتها بعد تعيين حبيب سوايدية ناظرا، كانت سعيدة للغاية، فأول ما صرت أحس به أنه قد ابتعد عنّي شبح الخدمات الذي طاردني وتلصص لي في كل الزوايا طويلا، وزاد أكثر منذ أن أطلق ضابط السجن تهديداته… بتّ ليلتي فرحا وطالت أجنحتي كل الرفاق، راودني شعور متميّز عن تحقيق ما أطوق له في رؤيته، حتّى أن فريد قرأ ما كان يتماوج بعيوني ويكحلها بألق غير مألوف من قبل، وقد نذرت نفسي للحزن العميق… فسألني:

- شيء رائع أن يكون صديقك هو الناظر… فهل سنستفيد منه؟!

أجبته:

- إنه زميل الدراسة ولنا ذكريات كثيرة مع بعضنا البعض ولكن ما تصوّرت أنه سيصل بنا الحال إلى هذه الدرجة!

ثم انتبهت لشيء آخر بعدما غصت في الذكريات العميقة:

- وما الذي سأستفيد منه؟!

يجيبني:

- طعام الحرّاس والفواكه…!

وقد أغضبني ذلك… فقلت:

- أنا لا أطلب منه ذلك، الشيء الوحيد الذي أكرهه هو الخدمات، ربما ارتحنا من شبحها المقرف، ثم لعلّني أطلب منه كتبا يحضرها لي من المكتبة!

ليالينا في السجن لا تختلف عن بعضها إن لم يحدث طارئ ما، وهذا الذي لم يحدث معنا منذ مرضي بالحمّى… لما ندخل من الاستراحة المسائية نؤدي صلاة العصر، ثم يتفرّغ كل واحد لقضاء شؤونه، فمنّا من يركن للنوم، وآخرون يتلهون بالدومينو أو بأوراق اللعب… نقرأ أيضا القرآن ونحفظه مع بعضنا البعض… نغسل بذلاتنا وألبستنا الداخلية في أوقات أخرى، وإن كنا نبللها ونلبسها مبلولة حتى نقلل من قيض الحر الذي لا يحتمل ولا يطاق، هي نشاطات دأبنا عليها وألفناها حتى صارت جزءا من حياتنا، وإن كانت القيلولة غالبا للنوم، ثم صلاة الظهر جماعة، وننتظر الاستراحة المسائية بالترويح عن نفوسنا من الغيض والقلق، بالحديث أو قراءة القرآن الكريم… أما أنا فغالبا ما أراجع ما كتبته من الشعر أو أقرأ الجديد منه لرفاقي، حتى يتنفسون من قيض الزنزانة الذي لا يصدقه أحد، ففي مثل هذه الأيام نجد الناس يهربون إلى الشواطئ، وبإمكانهم فعل أي شيء يلطف الطقس عليهم ولا أحد يحاسبهم، أما نحن ففي زنزانة ضيقة تتعرض لأشعة شمس ولا نوافذ تدخل بعض الهواء فضلا عن الرطوبة والاكتظاظ… بعد تلك الليلة التي تختلف عن سابقاتها جاءنا كالعادة ما يسمّى تجاوزا فطور الصباح، وقد صادف أن جيء لنا بالمربّى لأول مرة، تذوقنا حلاوته بعدما نسينا طعم السكر ونال كل واحد حظّه منه بلحسة واحدة، وتفادينا ابتلاعه حتى نتلذذ به أكثر، وكم سعدنا بهذا التطور وتمنّيناه يتكرر مرة أخرى بل جعلنا حبيب فأل خير علينا؟…

لحسنا مربّى المشمش وشربنا ما يعرف بالحليب وقد ألفناه وصرنا نشربه ونحتسيه بلا تردد، كما صرت آكل بشراهة من وجبات تشبه كل شيء إلا الطعام، تذكرت ما قيل لي أول مرة لما صممت على عدم الأكل، من شدة الغيض وتقزز نفسي من معكرونته الأولى… غير أنني في بعض الأحيان أستفيد من سندويتش "case croûte" يحضره لي إبراهيم، مما كان يأتيه له خدمات المطعم وخاصة رياض البجاوي الذي يحبه كثيرا، هذا قبل أن تقرر الإدارة منعهم من إحضار أي شيء، بل يفتشون قبل دخولهم، بعدما حدثت خصومات بين المساجين بسبب الصفقات حول الأكل، وخاصة البصل المستهلك بكثرة ويسهل إحضاره، كان لذلك الأثر البالغ علينا…

نزلنا كالعادة للباحة، وأول ما قمت به أن ملأت الدلو بالماء ثم وضعته تحت أشعة الشمس الحارقة ليغلي، حتى أغتسل به في القيلولة من حر الصيف ورائحة العرق التي ما عاد لنا صبر على مقاومتها، قد يتبادر للذهن أننا نسخن الماء بسبب البرودة، ولكننا نفعل ذلك من حين لآخر حتى نزيل الأوساخ المتراكمة التي صارت مجمعا للقمل، الذي نراه يتجول بكثافة كالنمل في الأرض وألبسة النزلاء… إلى جانب كل ذلك أننا لم نكن نعاني من ندرة المياه كباقي الزنازين الأخرى إلا نادرا بفضل إبراهيم، ولكن معاناة من لا يملك وعاء يحمل فيه الماء من الباحة لا تجول بخاطر أحد، فأذكر أنه لما ينقطع الماء يوزع علينا من طرف الحراس، ولكل واحد ما يكفيه للشرب فقط، ويمكن أن نتساءل كيف يكون حالنا في صيف ساخن ونحن نسكن مرحاضا؟!… بعد ذلك رحت آخذ قسطي من المشي لأريح ركبتي من شلل الحصار في الزنزانة الضيقة، وحتى النوم الذي لا يمكن لأحد أن يمد رجليه، فنحن ننام بطريقة لا يمكن وصف مأساتها… كان معي بوحمامة العربي حيث راح يقرأ لي آخر ما أبدعه من خواطر وشعر، وأؤكد بصراحة أنني سمعت بالكثيرين يحاولون الكتابة، إلا أنه الوحيد الذي نصوصه في القمّة، وتنبأت له بمستقبل أدبي واعد، إن واصل على ذلك المنوال وواضب على المطالعة لتنمية مداركه الثقافية والأدبية… جلجل قصيدته بسرعة فهو ضمن مجموعة الخدمات، وسوف يخرج بعد دقائق ليلتحق بورشته، لمّا همّ بقراءة رسالة كتبها على طريقة خاطرة لأحدهم، وإذا بهم ينادون عليه للخروج ولم أنل من حظّ سماعها إلا بعض السطور الأولى، ولم يكن المنادي سوى حبيب الذي وقف بباب الباحة وراح ينادي بصوته المبحوح الذي لم يتجاوز عناصر قريبة منه، ولولا أنهم نادوا معه لما سمعناه، لم يكن كالناظر السابق الذي يرتدّ صوته بين جدران الباحات كلّها… نادى حبيب والآخرين:

- خدمات خارجية… خدمات خارجية…

كان الفوج المكلف بالسجن هو فوج المساعد الأول عطاء الله، ونحن نحبه كثيرا، فكل عناصره محترمين ولا يؤذون أحدا، ما عدا رضا العنابي فكان لسانه فاحشا وأخلاقه سيئة عكس ما تصورته في أيامي الأولى، ولكن لا يصل إلى ما يفعله العريف الأول بوجمعة والعريف الأول الباهي والمساعد صالح المعروف بـ "عمّي صالح"، الذي كان في آخر أيام عمله، وقد أحيل على التقاعد ونحن لا زلنا في السجن، حيث رقص المساجين فرحا لذلك، وآخر أطلق عليه اسم (لاز دوبيك)… كانوا شداد غلاظ لا يرحمون أحدا… يعاملون المساجين كأنهم قطعان من الدواب…

تقدمت من حبيب الواقف في مدخل الباحة، فعطاء الله حتى لو رآني لا يقول شيئا، هذا إلى جانب أنني أتحدث مع حبيب الناظر وليس سجينا كباقي المساجين… لما إلتقى نظري بنظره تجمّد في مكانه كالصنم وعيناه تكادان تطيران من محجريهما، لم يبق منه ما يذكرني بهما سوى سوادهما… عرفني من أول نظرة وإن كنت تغيرت كثيرا على ما كنت عليه من قبل، لقد تفاجأ وما كان يصدّق ما رأته عيناه أبدا، شدّني إلى صدره وعانقني بحرارة ذرفت دمعا لما شممته في حضنه من أحزان… تلعثم وهو يهتف:

- لا أصدّق… مستحيل… أنت هنا… منذ متى؟… ماذا فعلت؟… مستحيل…!
Par samir12
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mardi 20 décembre 2 20 /12 /Déc 14:08


- إنه ضابط سيء السمعة ومحتال ولص!

قلت:

- ماذا تعرف عنه؟!

رد:

- ينصب على الناس بدعوى أنه سيلبي لهم مطالبهم كل وقته يقضيه مع العاهرات و... يبعثر أمواله يمينا وشمالا لا نعلم من أين جاءته؟ وكشف الله أمره!

ثم يستدرك:

- ناديتموني من أجل ذلك "السرّاق"!

فيرد عليه إبراهيم الذي كان منشغلا بالتحدث لأحد المساجين جاءه في أمر ما:

- نريد أن نجرّب شيئا...!

يشمر على ذراعيه كأنه يستعد لشجار ويقول:

- أنا جاهز...!

يشده إبراهيم من ذراعه قائلا:

- ليس للشجار مراد... سنقول لك كلاما حاول أن تنشره في الباحة لنرى نتيجته فيما بعد!

استدار نحوي وكنت منشغلا بما سمعته عن حبيب، الذي تحوّل إلى ما لم نتوقعه وإن كنّا نراه عجولا للمال ولكن ما راودنا الظن من الحال سيصل به إلى السرقة والحرابة والاحتيال... قال مراد:

- وإن كنت لم أفهم أموركم أنتم مثقفون لكن تفضلوا أنا جاهز!

فأقول:

- نريد فقط معرفة مدى انتشار الخبر بين المساجين...!

فيرد مراد:

- النملة تصبح فيلا والأسد عنزة!

اقترحت فكرة العفو الشامل يوم الأربعاء 02 جويلية، وأن أحدنا له صهر شقيقه عقيد في الأمن العسكري جاءه بالخبر اليقين، أعجبت إبراهيم الفكرة ووافق عليها لأنه لا شيء يشغل بالهم سوى الخروج من السجن... حملها مراد وانطلق ليرويها لأحدهم ... أما إبراهيم فقال لي:

- سيأتينا الخبر اليقين بعد دقائق!

انتشر الخبر واستشرى، وشاهدتهم يتناولونه جماعات جماعات، لم نلبث إلا حوالي ربع ساعة حتى عاد رياض الذي يشتغل في المطعم، لا ندري كيف بلغه الخبر الذي نسجناه في الباحة وهو غائب مع رفاقه ودخل لتوّه؟ جلس إلينا، وجهه يشعّ بالبشرى قائلا:

- جئتك يا إبراهيم بخبر رائع!

استدار نحوي إبراهيم وابتسم، لقد تيقن من الشيء الذي بقينا في انتظاره، إلا أنه أظهر لرياض لهفته وإلحاحه الشديد لمعرفة الخبر الرائع قائلا:

- خيرا إن شاء الله... تكلّم!

وفعلت الأمر نفسه... فيجيبنا رياض:

- لقد أخبر النائب العام الخدمات، بأن العفو العسكري سيكون يوم الأربعاء 02 جويلية، وقد شاهدوا كتّاب الضبط وهم يفرزون الملفّات لأجل العفو...!

هنا تأكدت أنه لا يمكنني معرفة الحقيقة أبدا، وأن إبراهيم صادق فيما قاله عنها من كلام يشبه الحكمة لحد بعيد... فقصة حبيب لا يعرفها سواه وهيئة المحكمة لذلك تمنيت رؤيته، فكما ذكرت سابقا أن السجين دائما يتمنّى رؤية من يعرف قبل سجنه، فبقدر ما تعرفنا على رفاق طيبين ربما أطيب من الآخرين بقدر أننا لا نثق في بعضنا البعض، كما نثق فيمن جمعتنا معهم الدراسة والطفولة ومسقط الرأس وحتى ذكريات في العاصمة...


ليلة لحمّى السجن...!
كان الحراس دائما يضايقونني بأمر الخدمات، وهو أول شيء أزعجني وأنا في الطريق من المحكمة للسجن برفقة النقيب زرارقي حمود، إلا أنني دائما أتحجج لما يطلب منّي أحدهم الخروج، أجيبه بما نصحني به إبراهيم وغيره:

- أنا ضابط!

يختلف رد فعلهم كل واحد حسب ما يحمله في صدره من شجون وعواطف وضغائن، وفي عقله من تصورات وأفكار، فيهم من يجدها فرصة للنيل منّي لضغينة ما يحملها لضابط ما، وآخر يبرز ما يعجز فيه خارج السجن... كنت أملأ فراغي إلى جانب الدردشة واللهو مع إبراهيم بكتابة الشعر والرسائل للرفاق، فمنهم من يكتب لحبيبته التي يستأنس بطيفها، منهم من يكتب لصديق يسهر على شؤونه في غيابه... اختلفت وجهات الرسائل واختلفت عواطف المساجين، وإن كانت تجمع على شيء واحد ألا وهو الظلم!!... كنّا في الباحة نجتمع ونتحدث في الأدب والشعر والماضي الغائر في سحيق الأيام، فإذا فرغنا مما نعرف نستلهم من الخيال ما يملأ فراغنا ويشبع نهمنا برغبة التحدي، والمضي قدما نحو أمل قد يكون مرتقبا... إذا عدنا إلى الزنزانة تجدنا نصلّي ونحفظ القرآن الكريم، ثم نتناقش في قضايا الفقه والشريعة والسياسة، وحتى حول حياتنا المتناثرة عبر الوحدات والثكنات، أو أيام قضيناها في الجبال بحثا عن "الإرهابيين"، طالما شفنا الموت حذو نحورنا أو أقرب... من بين ما حدث لي ولن أنساه أنني مرضت يوم الأحد 06 جويلية، بعدما ضاع حلم آخر عشت على نغمه أياما، ووصل بنا أن جمعنا أمتعتنا ننتظر العفو الرئاسي... من حنقي أصابتني الحمّى التي تعتبر حمى لا تمس إلا المساجين، وكانت معها ليلة قاسية، ومما أذكره أنني نهضت صباحا وأنا أحس بدوار في رأسي بعد ليلة كلها كوابيس وأرق... دخت لما شممت رائحة ما يسمى تجاوزا بالحليب كدت أن أتقيّأ... نزلنا إلى الباحة وجلست في ركننا المألوف وقد أخبرني الرفاق أن وجهي صار مصفرّا يجب عليّ الذهاب للطبيب، عندها يصل إبراهيم متأخرا كالعادة والذي انتبه لأول وهلة، أحس بحرارة عالية تحرق وجهي وجسدي، فنحن اعتدنا أن نسلّم على بعضنا البعض في كل لقاء... وقد تملّكه القلق قال:

- إنك مريض... حمّتك عالية!

أومأت له برأسي ولساني يتلعثم:

- صداع فظيع يفجّر رأسي!

وهو يهم بالذهاب قال:

- سأحضر لك الدواء!

قفل نحو زنزانته مسرعا، كان الحراس يحترمونه جدا، فالجميع يمنع عليهم الدخول إلى البناية في أوقات الإستراحة إلا لضرورة ملحة وبأمر من قائد فوج الحراسة وتحت رقابة مشددة، ذلك بسبب تفشّي السرقة بين المساجين بصورة مقززة، وخاصة لعلب السيجارة وأكياس الشمّة، فتجدهم يحملونها في جوارب ويتحزّمون بها لأنهم كانوا لا يثقون حتى في الحرّاس، فضلا من أن السيجارة عملة نادرة يعاني من نقصها المساجين، فأغلبهم يقطنون بمناطق بعيدة ونائية إما أن أهلهم لا يزورونهم بسبب البعد أو عدم علمهم بحالتهم وورطتهم، حتّى حق المسجون في التسوّق من ماله المودع في أمانات السجن لم يحدث إلا مرة واحدة على مدار الخمسة أشهر التي قضيتها... وهناك من يرسل له أهله طردا (colis) فيها السيجارة والشيكولاطة والبسكويت والقفريط وهي الأشياء المرخص بها فقط، حتى في الزيارات يمنع إدخال أي شيء، وله الحق في الطرد مرّة واحدة كل شهر وعلب السيجارة لا تتجاوز العشرة وإن تجاوزت فالزائد عن العدد المرخص به مصيره سلة المهملات وهي جيوب الحراس طبعا، وحسبما سمعت أن هذا القانون تم تشريعه لما إنتشرت المخدرات بين المساجين، حيث يتم إدخالها في التمر بدل النواة أو غيرها من الأكلات الأخرى التي يصعب تفتيشها، بل أنه تم إدخال حتى الأدوية المحظورة والتي يستعملها المساجين ليتم تحويلهم إلى المستشفى ويقضون به أياما من أجل راحة يرونها... كما ذكرت سابقا فقد سرق مني كيس أدوات النظافة والكأس الذي نحاسب عليهما عند الخروج مما أقلقني، لولا توايتية بوجمعة وهو سجين من مسقط رأسي أحضر لي غيرها، وأخبرني أنه تصرف بذكائه ليومنا هذا لم أعرف مصدره...

عاد إبراهيم بعد دقائق معدودة ومعه قرصين من دواء (UPSA C)، الذين خفّفا عنّي بعض الشيء وأحسست كأن جبلا قد رفع من على قفاي، ثم نصحني أن أستحمّ بالماء البارد وهو دواء شافي، حيث كان النزلاء يستحمّون في الباحة من شدة الحر وإن كانت أهون من حرّ الزنازين، أما أنا فمنذ نزولي البناية أعارني إبراهيم دلوا (برميل) يسع ثلاثين لترا لونه أزرق، كنت دائما أملأه بالماء وأعرضه لأشعة الشمس، فيغلي في دقائق من شدة الحرارة، بعدها أحمله إلى الزنزانة وأستحم منه أنا وكل زملائي في المرحاض... أخذت بما نصحني به صديقي في المساء، واغتسلت بماء دافئ لأنني لا أحتمل الماء البارد، إلا أن الحمّى تضاعفت حتى أغمي علي وقضيت لحظات من الألم لم أر في حياتي زيّها، بات محمد التموشنتي ساهرا على راحتي حتى الصباح... ومما قام به أنه لمّا اشتد بي الأنين وتصفّد جبيني عرقا ودخلت في غيبوبة، راح يضرب بقبضتيه وبكل قوته على باب الزنزانة، حتى وصل صراخه لطاقم الحراسة، فحضر الحارس المكلف بالبناية وأخبره بمرضي وحالتي الخطيرة، إلا أنه رد عليه بكلام فاحش وبذيء ونال قسطه محمد من الشتم... ختامه:

- ما عندي شيء أفعله لست طبيبا... أتركه يموت... يموت... كلب!

يتبع...
هبة الرحمان
10-05-2008, 02:07 PM
بارك الله فيك على المجهود
admin
04-19-2009, 12:29 PM
الحلقة الخامسة

<H1 style="FONT-SIZE: 16px; FONT-WEIGHT: normal">في الزنازين القذرة (5)..شهادة الضابط الفار من الجزائر (http://mahdymoustafa.maktoobblog.com/653480/%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%86%d8%a7%d8%b2%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b0%d8%b1%d8%a9-5%d8%b4%d9%87%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b6%d8%a7%d8%a8%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7/)</H1>






في الزنازين القذرة (5) (http://www.watan.com/index.php?name=News&file=article&sid=4871) 








"شهادة مثيرة لضابط جزائري لاجئ هربها من وراء قضبان سجن البليدة العسكري وخفايا عن حياة وراء الشمس وأسرار العسكري والسجين السابق حبيب سوايدية التي لا يعرفها أحد"

بقلم: أنور مالك –كاتب وصحفي مقيم بفرنسا



الحلقة الخامسة
نعتنا بما نستحي من ذكره بل أترفع من التخمين فيه بيني وبين نفسي، وتسلل كلامه إلي وكنت منهك القوى لا أستطيع حتى الحركة أو الكلام فزاد الحمى اشتعالا… في ليلتي هذه زار خيالي كل ركن من الماضي، وقد تذكرت أمي عندما تشتد بي الحمّى وما تقدمه لي من إسعافات وتسهر على راحتي حتى الصباح، لقد بكيت وانتحبت نحيبا تشققت له الجدران… أيام دراستي في مدرسة قصر الزهراء… تذكرت طفولتي بين الحقول والمراتع… أيام ثانوية مالك بن نبي بتبسّة… جامعة عنّابة… أيام التدريب في المدرسة العليا للدفاع الجوي للإقليم (ESDAT) بالرغاية… تذكرت والدي وحكايات الثورة، وما كان يرويه عن جدي وأسرتي وعمي الذي اغتالته المخابرات الفرنسية بجامعة الزيتونة في تونس… جدتي العزيزة رحمها الله وحكاياتها التي تثلج الصدر… خالي الذي ذبح بجبل الدكان ذات شتاء من عام 1984 وكان لموته الأثر البالغ في قلبي ونفسي… بات محمد (جزاه الله خير الجزاء) ساهرا عليّ، يبلل منشفة ويضعها على جبيني لتخفف من حدة الحمّى التي تنخر عظامي كالسوس، وكانت بالفعل دواء شافيا، عادت لي عافيتي بعدما يئست من الشفاء، وصرت أنتظر اللحظة التي تستلّ فيها روحي من تحت إبطي، فحمّى السجن لا يعرف مداها إلا من تذوّق مرارتها ولحس علقمها، وهي أكيدة يتعرض له كل من يدخل السجن وتختلف من سجين لآخر، فتجد المعتادين أول ما يخافونه الحمى المرتقبة التي لا يسلم منها أحد بسبب تغير ظروف الحياة عليه… في آخر الليل استعدت بعض عافيتي، فطلبت من محمد أن يأوي لمكانه ليأخذ قسطه من الراحة، عمل برغبتي وقد تعب التعب الشديد، حينها تسلل لسمعي صوت الآذان، تحديت مرضي وبحر العرق الذي أغرق فيه من الحمى وحرارة الطقس التي لا تطاق، توضأت وقرأت بعض القرآن، ثم صلينا الصبح جماعة وقد أمّنا السعيد، بقيت مستيقظا حتى جاءنا عناصر الخدمات يحملون ما يسمى بالحليب… خرجنا بعدها للباحة وفق النظام المعمول به، فوجدت إبراهيم قلقا مغموما يفكر في حالي، وقد سمع البارحة صراخ محمد، الذي أخبر الحارس برقم الزنزانة وهو يسأل عن مصدر النداء… علمت أنه بات ليلته خائفا ومرعوبا علي لأنه يعرف حمى السجن، التي قد تقتل أحيانا كما فعلت بالبعض ممن يعرف قصصهم هو، وما حكى لي إلا عن شخص مات بسببها في زنزانته… حمد الله لي على الشفاء وهنا وجد متسعا للحديث عن المرض والمرضى في السجن، وما يعانونه من الإهمال واللامبالاة، فلا يلقون رعاية ولا علاجا ولا أدوية… فقد خصصت زنزانة يسهر عليها طبيب سجين وبعض الأدوية التي لا تمثل شيئا، فلولا ما يحضره الأهل لأبنائهم من خلال وصفات الطبيب لمات الكثيرون… حتى أنه قال:

-… الأغرب من كل ذلك أنهم يعودون إلى ثكناتهم… فلو كانوا مدنيين يعودون لبيوتهم فما الذي سيحدث لهم؟!

ثم راح يحدثني عن ولديه، اللذين اشتاق إليهما لحد الجنون، ولم يراهما منذ أن وطأت قدماه السجن، رفض رؤيتهما خوفا على شعورهما، وظلت الأم المسكينة تتحجج بأسباب غيابه على أنه في مهمة خارج الوطن… بينما نحن في غمرة الخوض بغمار ما يوجع القلب ويدمع العين وإذا بسجين يقبل عليّ، ومن بين الذين انضموا لركننا حديثا، هو من مدينة بوحمامة ولاية خنشلة ويحمل رتبة رقيب أول وكان يعمل في ثكنة بالرويبة ولاية بومرداس، أثار اهتمامي وأحببته لقلمه الجارف السيّال ولسانه السلسبيل في كتابة الشعر والخواطر… راح يطمئن على صحّتي وحالي، ثم قرأ لي آخر ما أبدعته أنامله من نص يثير شهوة الغواية داخلي نحو احتراق جديد فوق دفاتر عذراء، صارت هي عزائي الوحيد في هذا المنفى… حتّى أنني قررت في تلك الجلسة أن أهديه اسما مستعارا فقال لي:

- ذلك يزيدني فخرا…! 

فكرت مليّا… ثم قلت:

- أبو حمامة العربي…!

سلّم عليّ مندفعا وراح يكتبه في دفتره وبخطّه الجميل… ولسانه يلهث:

- لن أبدّله ما حييت…

ضحك إبراهيم وقال له:

- لهذا يجب أن تتزوج وتنجب بنتا اسمها حمامة!

قلت:

- وإذا أنجب الذكور فقط!

رد ضاحكا:

- يسمي واحد منهم حمامة أيضا…!!

خلال هذه الأيام وقع الضغط علينا في ما يخص الخدمات، وطبعا هو ما يطلق على المساجين الذين يشتغلون، كل حسب ما خصص له من طرف إدارة السجن، وأذكر أنه زارنا ضابط السجن وهو يحمل رتبة ملازم أول يعمل كمراقب عام، ووجدنا نجلس في ركننا المعتاد ليهيج غاضبا من جلوسنا بلا فائدة ترجى، راح يذكرنا بأننا لا نساوي شيئا ونحن مجرد مساجين نخضع للأوامر كيفما كانت، بالأحرى موقوفين، فكلمة سجين مرفوضة رفضا قاطعا، حتى في المراسلات الرسمية التي نتقدم بها للإدارة، فإما أن نكتب "الموقوف غير المحكوم عليه" بالنسبة للذين لا يزالون رهن الحبس الاحتياطي، وإما أن نكتب "الموقوف والمحكوم عليه نهائيا" بالنسبة لنا ولغيرنا المحكوم عليهم نهائيا، وأذكر أنني سألت إبراهيم عن ذلك فأجابني وملامحه تتوزع بين السخرية والجد… فقال:

- إن كنّا مساجين وهي الحقيقة فهم سجانون… وهذا ما يرفضونه دائما وإن كان ذلك واقعهم!

سألته:

- أرى أننا ما دمنا كذلك، ونعيش في زنزانة وهم من يسهر على سجننا لا تهم المصطلحات… فماذا ترى أنت؟!

يجيب وهو يتفرّس في وجوه النزلاء:

- التاريخ… هو الوحيد الذي لا يرحم أحدا!

أمر الضابط أن نجتمع كما اعتدنا على ذلك، فشكلنا فصيلة لا يتجاوز تمامها العشرين سجينا… راح يمر علينا الواحد تلو الآخر إلى أن جاء دوري، وكنت أقف بجنب إبراهيم وقبل أن يتحدث لي أمر إبراهيم بالذهاب لمكانه فهو يعرفه… سألني:

- لماذا لا تشتغل؟!

بما أحتجّ به دائما قلت:

- إنني ضابط…!

ضرب على صدري بكفّه وقال:

- كنت ضابطا…

زدت على ذلك:

- وسأبقى لأنني سأعود لثكنتي!

لم يعجبه كلامي ولم يكمل حتى استنطاق الآخرين… قال بعنجهيّة ونظرات الإحتقار تلحسني:

- سوف أحولكم جميعا إلى البناية " E"…

ثم استدار إلى الناظر وخاطبه:

- سجّلهم في قائمة الخدمات ومن يرفض أحضر لي اسمه وسوف يرى…!

استبد بي الحنق من كلامه، فقد صرت قاب قوسين أو أدنى، لا أريد مغادرة رفاقي ولا أشتغل فقد أقسمت سابقا أنني لن أفعل ذلك ولو قطع رأسي… عدت لإبراهيم الذي طمأنني بعض الشيء فالناظر لن يسجلني أبدا، وهذا الذي أعاد لي الطمأنينة بعض الشيء وإن كان شبح الخوف المارد يتمرغ بعمقي…

الناظر الجديد..

خلال الفترة التي مضت بدأ رفاقي الواحد بعد الآخر في الخروج من السجن، بعدما أكملوا مدة عقوبتهم، فقد أفرج عن الريو الذي أطلق عليّ اسم "المنفلوطي" لما رآني لا همّ لي سوى الكتابة والشعر والأدب وكريم العنّابي وآخرين… وكان لذلك النزيف أثره البالغ على نفسيتي، وصرت أتمنّى أن أغمض عينيّا ثم أفتحهما وأجد نفسي في مثل أفراحهم، حرّا طليقا، لأن فرحة الفرج لا نظير لها… وشهدت مجالسنا التحاق رفاق جدد أذكر من بينهم الشاب حميمو وهو من ولاية معسكر وله صوت جميل في أداء أغاني الراي، أخبرنا أنه مهتم بالفن وله علاقات وطيدة بكثير من مطربي الراي، وإن كان قد انضم إلينا من قبل إلا أن جلوسه معنا غير دائم، يقتصر على بعض الدقائق وتحت الإلحاح الشديد، لكنه في الأيام الأخيرة صار يداوم على مجالستنا ويطربنا بأشهر أغاني الراي ويساعده الشاب عتو بأشهر أغاني عبد الوهاب الدكالي… 

بعد يوم وبينما كنّا جالسين صباحا رفقة شلّتنا، وفي بعض الأحيان نسكن للشعر الذي يروح على قلوبنا الصدئة، نتحدث عن الناظر الذي أودع زنزانة انفرادية خصصت للعقوبات التأديبية، وحسبما روي لي أنها زنزانة عادية كباقي الزنازين الأخرى تقع في البناية "B "، ولكن جدرانها مصبوغة بدهان أسود، لا ضوء فيها ولا تصلها الأشعة حتى تلك المتسللة عبر الثقوب، وقد قيل أنها لا يشبهها سوى القبر، الفرق الوحيد بينهما أن المدفون بها حيا تتقاذفه أنفاس متوجعة… رحنا نتساءل ونلوك ما قيل عن الأسباب التي دفعت بالمدير الرائد عبد الحق عيسو إلى عزله ومعاقبته، فهناك من يزعم ويدعي معرفته بالحقيقة، وزادت تساؤلاتنا عن خليفته، فراحوا يرجحون مساعده عبد الله إلا أن إبراهيم استبعد ذلك قائلا:

- عبد الله لا يحسن القراءة ولا الكتابة جيدا إنهم يحتاجون إلى مثقف وغالبا ما يكون من الضباط!!

داعبته:

- لو يعينوك أنت!

- إنهم لا يعينون مريضا مثلي…!!

وبينما كنا غارقين في شتات الاحتمالات المتعددة، وإذا بصوت مبحوح لا يتجاوز حنجرة صاحبه ينادي على خدمات المطعم، لم أنتبه له بادئ الأمر فلقد كنت أجلس وباب الباحة ورائي، إلا أن إبراهيم يندفع مشيرا بسبابته ويلهج قائلا:

- حبيب… إنه حبيب… أنظر!

التفت نحوه بحماس ووجدته بباب الباحة يجمع الخدمات، لم أتعرّف عليه فقد تبدلت ملامحه كثيرا وتغير شكله، وإن كان نحيلا وضعيف البنية من قبل، إلا أنه صار أنحلا ووجهه أسودا ربما للفترة الطويلة التي قضاها في السجن وقد تجاوزت السنتين… وقفت من مكاني منبهرا حيث كنت أجلس، انتابتني رغبة ملحّة في التقدم نحوه لملاقاته، فلي فترة طويلة لم أراه بسبب ظروف العمل بالنسبة لي وله أيضا، أشفقت عليه وكدت أن أطير نحوه لمعرفة أحواله وقصته المشئومة الدامية التي أوصلته إلى حال لا يحسد عليها أبدا… إلا أن إبراهيم شدّني من يدي اليسرى وهو يقول:

- أجلس… نؤجّل اللقاء به حتى وقت لاحق هو الآن جديد في مهمته… وتعرف أن صالح هو رئيس الفوج!

ويزيد على ذلك:

- لا يصدق أبدا… حبيب هو الناظر!

كنّا نظن بل متأكدين أن اختيار الناظر يتم بواسطة علاقات نافذة من خارج السجن، تكون غالبا مع المدير… فقد كان يروى الكثير عن الناظر السابق وعن مدى معارفه ونفوذه وأكتافه، فضلا المال الذي يملكه فقد قيل أنه متّهم باختلاس الذهب من محلات أثناء مهمته العسكرية في مكافحة الإرهاب… بواسطة كل ذلك تم اختياره ناظرا، وهو ما يحلم به الكثير من المساجين إن لم نقل أغلبهم، خوفا من أن نتهم بالمبالغة، لما ينجر عن المنصب من مميزات وفوائد، أهمها ما نحن في حاجة إليه وهو الأكل، كنا نراه يتناول وجبته على طاولة الحراس وطالما شفناه يحمل بين ذراعيه التفاح والعنب والبطيخ… إلى غرفته مما يسيل اللعاب، لأننا محرومون منها ولا نتخيلها إلا في المنام، في بعض الأحيان نتفادى ذلك خوفا من الاتهام… ومما يتداوله المساجين أن أحدهم ممن حكم عليهم بأكثر من عشر سنوات اشترى بطيخة بثلاثة ملايين سنتيم، وآخر دجاجة بعشرة ملايين سنتيم، حيث أن الحارس يتنقل لأسرة السجين والذين تلقّوا الأمر بتسليمه المبلغ أثناء الزيارة ويستلم غنيمته، وإن كانت كلها مجرد حكايات لا نعرف الغث من السمين فيها، أو الصادق من الكاذب، فلا أحد يمكنه الاعتراف بها خوفا على نفسه من بطش الحارس الذي مضى معه الصفقة أو حتى الإدارة، وأيامه في السجن طويلة… إلا أنها تؤثر تأثيرا بالغا على عواطفنا وقلوبنا…!

سألت إبراهيم:

- هل تظنّه وصل بمعارفه…؟!

رد أحدهم لا أذكره كان يجلس بيننا وأكد قائلا:

- وهل عينوه ناظرا لله؟!

أجاب إبراهيم:

- حبيب قد عانى من مرض نفسي، وصل به إلى درجة كبيرة، وكان السبب في تحويله من البناية "B " إلى البناية "E " قبل أن يكمل المدة القانونية… وأظنّهم اختاروه بطلب من الطبيب النفساني!

لأول مرّة أعلم بأنه يوجد في السجن طبيبا نفسانيا سألته وإن كنت مهتما بموضوع حبيب:

- وهل يوجد هنا هذا الطبيب؟!

أجاب بسخرية:

- هو في الحقيقة شبه طبيب إلا أنه يحاول مساعدة المساجين من حين لآخر!

- ألا يوجد ضباط غير حبيب!!

زاد إبراهيم:

- كثيرون جدا… فهناك ماحي الذي نراه دائما في المطعم يلبس نظارة وهو عقيد في البحرية والنقيب مردود وهو دكتور متخرّج من جامعة فرنسية…الخ.

- إذا اختيار حبيب ليس بعادي!

وصل لتوّه شاب أذكر أن اسمه ياسين وكان عسكري يؤدي واجب الخدمة الوطنية، يحمل رتبة عريف ويعمل منظفا في المحكمة، دائما يروي أنه أكل من دجاجة العقيد قائد وحدته ولما اكتشف فعلته قدمه للقضاء، وإن كان زملاؤه يروون عكس ذلك تماما، فهو يعمل بمخزن التغذية ويقوم بسرقة دجاجات من الثلاجات ويبيعها للجزارين في الأسواق خارج الثكنة… جلس إلينا مسلّما ثم قال:

- هل رأيتم الناظر الجديد؟ إنه كمندوس ومن تبسّة يقولون أنه قتل لوحده في كمين عشرين إرهابيا… حتى خاله عقيد وهو صهر اللواء سعيد باي قائد الناحية العسكرية الأولى…!

ضحك إبراهيم ساخرا منه وقد عاش مع حبيب في البناية "B"، ويعرف عنه بعض ما كان يرويه للمساجين عن بطولاته في الزبربر مع الجماعات الإسلامية المسلحة وخاصة "GIA"…

فقال إبراهيم:

- وقد روى لي أنه قتل عدة إرهابيين ومنهم جعفر الأفغاني أو… المهم قتل رأسا كبيرا من العائدين من أفغانستان…!

وهنا وجدت فرصة لأسأله:

- هل ما زال حبيب يحب الكمندوس كما كان من قبل؟!

يجيب:

- أنت تعرفه أكثر منّي… حبيب الذي عرفته شابا مغمورا ومتهوّرا ومتناقضا يروي اليوم شيئا وغدا نقيضه لذلك لا تستطيع فهم أي شيء منه… يحب التفوق والظهور بأوسمة تميزه دائما…!

وأنا أعرف حال المساجين وهو ما يتعلّمونه من وراء القضبان، يتفننون دائما في تبرئة ذمتهم أمام الآخرين وإن دخلوا متهمين يخرجون ممن يتقنون اللف والدوران… فقلت:

- هكذا من قبل وتعرف السجن سيزيد حاله سوءا!

رد ياسين الذي كان يتابعنا بنهم وشغف:

- الله يسترنا منه…!

والناظر ويطلق عليه "البريفو" يحمل نفوذا وسلطة واسعة على المساجين بأمر من القيادة، فإن أشار على أحدهم خالف أمره أو أراد به سوءا، فسوف يتعرّض لعقاب شديد ويسلّط عليه ما لا تحمد عقباه… وقد حضرت لأحداث كثيرة، أذكر منها أن الناظر السابق أراد أن يخرج سجينا للخدمات ضمن مجموعة الصباغة والورشات فرفض وعصى الأمر، حاول أن يخرجه بالقوّة لكنه رد عليه بوابل من الشتائم والسباب واللعان فشكاه للحراس… ورأيت مشهدا لم أراه في حياتي إلا في أفلام الرعب والعنف الهوليودية، عرّوه من لباسه كيوم ولدته أمّه ولم يستروا حتى عورته… ثم علّقوه في قضبان باب الباحة "B "، التي كانت خالية من النزلاء، ورشّوه بالماء ثم انهالوا عليه بحبل سميك كهربائي "Câble " وعصا غليظة وقضيب بلاستيكي جاف… تداولوا عليه بالضرب المبرح، وهو يصرخ بلغ صوته عنان السماء، حتى اقشعر جلدي مما سمعته ولم أتحمّل رؤيته ولا حتى سماع صوته، وبكاؤه كباقي النزلاء الذين راحوا يتفرّجون عليه من باب الباحة، كأنهم يتلذذون بشيء يرون أنفسهم محظوظين لما سلموا منه… بقي على تلك الحال مغميا عليه ومعلقا في الباب حتى المساء، ثم نقلوه إلى باحتنا عن طريق الخدمات ملفوفا في بطّانية، وكان جسمه ينزف دما… بقي على هذه الحالة المؤلمة لا يستطيع النوم أكثر من أسبوعين، لايزال أنينه يقرع طبلة سمعي حتى الآن…!

وأيضا أن الناظر هو عين مدير السجن على المساجين والحراس، فيمنعهم من التجارة والبزنسة وتجاوز ما لا يرضاه، واكثر من ذلك أن أعوان السجن يخافون من الناظر اكثر من خوفهم من رؤساء الأفواج، لأنه يتمتع بعلاقة وثيقة ورعاية خاصة مع قيادة السجن وحتى النيابة العامة لدى المحكمة…

اللقاء الأول مع حبيب سوايدية…

في الحقيقة أن الليلة التي قضيتها بعد تعيين حبيب سوايدية ناظرا، كانت سعيدة للغاية، فأول ما صرت أحس به أنه قد ابتعد عنّي شبح الخدمات الذي طاردني وتلصص لي في كل الزوايا طويلا، وزاد أكثر منذ أن أطلق ضابط السجن تهديداته… بتّ ليلتي فرحا وطالت أجنحتي كل الرفاق، راودني شعور متميّز عن تحقيق ما أطوق له في رؤيته، حتّى أن فريد قرأ ما كان يتماوج بعيوني ويكحلها بألق غير مألوف من قبل، وقد نذرت نفسي للحزن العميق… فسألني:

- شيء رائع أن يكون صديقك هو الناظر… فهل سنستفيد منه؟!

أجبته:

- إنه زميل الدراسة ولنا ذكريات كثيرة مع بعضنا البعض ولكن ما تصوّرت أنه سيصل بنا الحال إلى هذه الدرجة!

ثم انتبهت لشيء آخر بعدما غصت في الذكريات العميقة:

- وما الذي سأستفيد منه؟!

يجيبني:

- طعام الحرّاس والفواكه…!

وقد أغضبني ذلك… فقلت:

- أنا لا أطلب منه ذلك، الشيء الوحيد الذي أكرهه هو الخدمات، ربما ارتحنا من شبحها المقرف، ثم لعلّني أطلب منه كتبا يحضرها لي من المكتبة!

ليالينا في السجن لا تختلف عن بعضها إن لم يحدث طارئ ما، وهذا الذي لم يحدث معنا منذ مرضي بالحمّى… لما ندخل من الاستراحة المسائية نؤدي صلاة العصر، ثم يتفرّغ كل واحد لقضاء شؤونه، فمنّا من يركن للنوم، وآخرون يتلهون بالدومينو أو بأوراق اللعب… نقرأ أيضا القرآن ونحفظه مع بعضنا البعض… نغسل بذلاتنا وألبستنا الداخلية في أوقات أخرى، وإن كنا نبللها ونلبسها مبلولة حتى نقلل من قيض الحر الذي لا يحتمل ولا يطاق، هي نشاطات دأبنا عليها وألفناها حتى صارت جزءا من حياتنا، وإن كانت القيلولة غالبا للنوم، ثم صلاة الظهر جماعة، وننتظر الاستراحة المسائية بالترويح عن نفوسنا من الغيض والقلق، بالحديث أو قراءة القرآن الكريم… أما أنا فغالبا ما أراجع ما كتبته من الشعر أو أقرأ الجديد منه لرفاقي، حتى يتنفسون من قيض الزنزانة الذي لا يصدقه أحد، ففي مثل هذه الأيام نجد الناس يهربون إلى الشواطئ، وبإمكانهم فعل أي شيء يلطف الطقس عليهم ولا أحد يحاسبهم، أما نحن ففي زنزانة ضيقة تتعرض لأشعة شمس ولا نوافذ تدخل بعض الهواء فضلا عن الرطوبة والاكتظاظ… بعد تلك الليلة التي تختلف عن سابقاتها جاءنا كالعادة ما يسمّى تجاوزا فطور الصباح، وقد صادف أن جيء لنا بالمربّى لأول مرة، تذوقنا حلاوته بعدما نسينا طعم السكر ونال كل واحد حظّه منه بلحسة واحدة، وتفادينا ابتلاعه حتى نتلذذ به أكثر، وكم سعدنا بهذا التطور وتمنّيناه يتكرر مرة أخرى بل جعلنا حبيب فأل خير علينا؟…

لحسنا مربّى المشمش وشربنا ما يعرف بالحليب وقد ألفناه وصرنا نشربه ونحتسيه بلا تردد، كما صرت آكل بشراهة من وجبات تشبه كل شيء إلا الطعام، تذكرت ما قيل لي أول مرة لما صممت على عدم الأكل، من شدة الغيض وتقزز نفسي من معكرونته الأولى… غير أنني في بعض الأحيان أستفيد من سندويتش "case croûte" يحضره لي إبراهيم، مما كان يأتيه له خدمات المطعم وخاصة رياض البجاوي الذي يحبه كثيرا، هذا قبل أن تقرر الإدارة منعهم من إحضار أي شيء، بل يفتشون قبل دخولهم، بعدما حدثت خصومات بين المساجين بسبب الصفقات حول الأكل، وخاصة البصل المستهلك بكثرة ويسهل إحضاره، كان لذلك الأثر البالغ علينا…

نزلنا كالعادة للباحة، وأول ما قمت به أن ملأت الدلو بالماء ثم وضعته تحت أشعة الشمس الحارقة ليغلي، حتى أغتسل به في القيلولة من حر الصيف ورائحة العرق التي ما عاد لنا صبر على مقاومتها، قد يتبادر للذهن أننا نسخن الماء بسبب البرودة، ولكننا نفعل ذلك من حين لآخر حتى نزيل الأوساخ المتراكمة التي صارت مجمعا للقمل، الذي نراه يتجول بكثافة كالنمل في الأرض وألبسة النزلاء… إلى جانب كل ذلك أننا لم نكن نعاني من ندرة المياه كباقي الزنازين الأخرى إلا نادرا بفضل إبراهيم، ولكن معاناة من لا يملك وعاء يحمل فيه الماء من الباحة لا تجول بخاطر أحد، فأذكر أنه لما ينقطع الماء يوزع علينا من طرف الحراس، ولكل واحد ما يكفيه للشرب فقط، ويمكن أن نتساءل كيف يكون حالنا في صيف ساخن ونحن نسكن مرحاضا؟!… بعد ذلك رحت آخذ قسطي من المشي لأريح ركبتي من شلل الحصار في الزنزانة الضيقة، وحتى النوم الذي لا يمكن لأحد أن يمد رجليه، فنحن ننام بطريقة لا يمكن وصف مأساتها… كان معي بوحمامة العربي حيث راح يقرأ لي آخر ما أبدعه من خواطر وشعر، وأؤكد بصراحة أنني سمعت بالكثيرين يحاولون الكتابة، إلا أنه الوحيد الذي نصوصه في القمّة، وتنبأت له بمستقبل أدبي واعد، إن واصل على ذلك المنوال وواضب على المطالعة لتنمية مداركه الثقافية والأدبية… جلجل قصيدته بسرعة فهو ضمن مجموعة الخدمات، وسوف يخرج بعد دقائق ليلتحق بورشته، لمّا همّ بقراءة رسالة كتبها على طريقة خاطرة لأحدهم، وإذا بهم ينادون عليه للخروج ولم أنل من حظّ سماعها إلا بعض السطور الأولى، ولم يكن المنادي سوى حبيب الذي وقف بباب الباحة وراح ينادي بصوته المبحوح الذي لم يتجاوز عناصر قريبة منه، ولولا أنهم نادوا معه لما سمعناه، لم يكن كالناظر السابق الذي يرتدّ صوته بين جدران الباحات كلّها… نادى حبيب والآخرين:

- خدمات خارجية… خدمات خارجية…

كان الفوج المكلف بالسجن هو فوج المساعد الأول عطاء الله، ونحن نحبه كثيرا، فكل عناصره محترمين ولا يؤذون أحدا، ما عدا رضا العنابي فكان لسانه فاحشا وأخلاقه سيئة عكس ما تصورته في أيامي الأولى، ولكن لا يصل إلى ما يفعله العريف الأول بوجمعة والعريف الأول الباهي والمساعد صالح المعروف بـ "عمّي صالح"، الذي كان في آخر أيام عمله، وقد أحيل على التقاعد ونحن لا زلنا في السجن، حيث رقص المساجين فرحا لذلك، وآخر أطلق عليه اسم (لاز دوبيك)… كانوا شداد غلاظ لا يرحمون أحدا… يعاملون المساجين كأنهم قطعان من الدواب…

تقدمت من حبيب الواقف في مدخل الباحة، فعطاء الله حتى لو رآني لا يقول شيئا، هذا إلى جانب أنني أتحدث مع حبيب الناظر وليس سجينا كباقي المساجين… لما إلتقى نظري بنظره تجمّد في مكانه كالصنم وعيناه تكادان تطيران من محجريهما، لم يبق منه ما يذكرني بهما سوى سوادهما… عرفني من أول نظرة وإن كنت تغيرت كثيرا على ما كنت عليه من قبل، لقد تفاجأ وما كان يصدّق ما رأته عيناه أبدا، شدّني إلى صدره وعانقني بحرارة ذرفت دمعا لما شممته في حضنه من أحزان… تلعثم وهو يهتف:

- لا أصدّق… مستحيل… أنت هنا… منذ متى؟… ماذا فعلت؟… مستحيل…!
Par samir12
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mardi 20 décembre 2 20 /12 /Déc 13:54
1
هل تعلم أن القذافي هو الذي هدم
ضريح المجاهد عمر المختار بعد منتصف ليلة 15 يوليو 2000 في الساعة الثانية صباحاً في مدينة بنغازي ونقل الضريح إلى مدينة نائية يقال لها سلوق لأنه يثير في الليبين الشرفاء حينما يمرون بقربه كل معاني الايمان والفخار والعزة والجهاد والذكر والذكريات الخالدة


2
وهل تعلم أن القذافي متهم بتفجير طائرة ليبية فوق بن غازي عام 1992 في 22 ديسمبر ووجه التهمة للغرب لمقايضة ضحايا طائرة لوكيربي ومات فيها 157 ليبيا

3
وأنه متهم بالتآمر لحقن 400 طفل في مدينة بنغازي بفايرس الأيدز القاتل عام 1997


4
وأنه قام بهدم نادي الأهلي الذي هو امتداد لجمعية عمر المختار. وهل تعلم أم القذافي استبدل بالكتاب الأخضر عن الشريعه الغراء. وطعن في الدين وشكك في الثوابت واستهزأ بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام حتى قال عن كتابه الأخضر هو إنجيل العصر الحديث


5
وهل تعلم أن القذافي يقول عن الشريعة الاسلامية أنها قانون وضعي كقانون نابليون وكالقانون اليوناني


6
وهل تعلم أن القذافي هو الذي حذف كل ( قل) من سور القرآن لأنه لا حاجة لها فهي موجهة لمحمد صلى الله عليه وسلم
اسرار تكشف لأول مره عن : الزعيم الليبي معمر القذافي

7
وهل تعلم أن القذافي سب الانبياء عليهم السلام وقال عن نبي الله يعقوب عليه السلام إنه وعائلته من احط العائلات وأشدها كفرا ونفاقا



8
وهل تعلم أنه قال أن محمد صلى الله عليه وسلم إنما هو ساعي بريد وهل تعلم أنه أنكر عموم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للجن والإنس وقال هي محصورة في العرب فقط. وهل تعلم
أن القذافي أنكر السنة النبوية وجعل التمسك بها طريقاً وباباً للشرك وعبادة الأوثان والأصنام


9
وهل تعلم أن القذافي يقول أن الكعبة هي أخر صنم لازال باقيا من الأصنام. وهل تعلم أن القذافي يرى أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له أي قدسية وأنه كالفاتيكان


10
وهل تعلم أنه يقول لجاننا الثورية المخابراتية هي نبي هذا العصر. وهل تعلم أن القذافي هو الذي استحل دماء الناس من أبناء شعبه وأبناء غير المسلمين بتفجير طائراتهم فوق لوكيربي الطائرة الأمريكية وفوق النيجر الطائرة الفرنسية. ثم يعترف ويعتذر ويقبل بدفع أموال الشعب الليبي البطل كتعويض عن غلطته إرضاء للغرب. أما أبناء بلده الذين صلاهم بالحديد والنار وشرَد منهم زهاء 70.000 ألف بين قتيل وسجين وطريد عام 1985 وحدها فليس لهم إلا الشكوى إلى الله


11
وهل تعلم أن مجمل مابدده القذافي وأنفقه على شهواته وملذاته منذ اعتلاله السلطة عام 1969م إلى تاريخه بلغ 20 مليار دولار. وهل تعلم أن القذافي قد زج بالشباب الليبي غب الحروب الخاسرة دونما فائدة في تشاد و أوغندا ولبنان وغيرها. ومن أقوال المشهورة ماذكره في السجل القومي الليبي 665/11 قوله أنا لا أتكلم كليبي طز في ليبيا وفي كل البلاد العربية في النهاية تمنيت لو أني لم أكن عربياً ياليت أصلي غير عربي كردي أو أسباني ومن أقواله أنا لست ضد اليهود ولا ضد بني اسرائيل بل على العكس فإن بني اسرائيل وبني يعقوب هم ساميون وأبناء عمومة العرب اليجل القومي 9/828


12
وهل تعلم أنه قتل 600 سجين أضربوا في سجن أبوسالم في طرابلس فأمر باعدامهم رمياً
بالرصاص


13
وهل تعلم أن منظمة العفو الدولية في وثيقتها رقم
mde19/004/2002
تقول أن
عشرات المهنيين والطلاب مهددون لمحاكمة جائزة واحتمال صدور أحكام بالإعدام عليهم كما حكم على الاستاذ الجامعي سالم أبوحنك بالإعدام لانتماءاته الاسلامية وهو أب لخمسة أطفال ورئيس قسم الكيمياء في كلية العلوم بجامعة قار يونس في بنغازي وحكم بالإعدام أيضا على الاستاذ الجامعي عبدالله أحمد عز الدين وهو أب لأربعة أطفال ويعمل أستاذ في كلية الهندسة بجامعة الفاتح في طرابلس لنفس التهمة وقد حكم على 73 متهما بالسجن مدى الحياة بينما حكم على 11 متهما بالسجن 10 سنوات وهم محجوزون في سجن أبوسالم في طرابلس لنفس التهمة وهي انتمائهم للإخوان المسلمين


14
وفي بيان آخر لمنظمة
العفو الدولية تقول فيه إن في ليبيا كثيرا من حالات السجناء السياسين الذين لايزالون محتجزين منذ فترات طويلة ومن بينهم أشخاص يتعرضون للاعتقال التعسفي بما في ذلك من حرموا من حريتهم بدون تهمة ولا محاكمة وأشخاص أمضوا أحكاماً بالسجن لفترات طويلة صدرت بعد محاكمات فادحة الجور وأشخاص لايزالون رهن الاعتقال رغم صدور أوامر بالإفراج عنهم ولك أن تقارن بين مايفعله بشعبه ومايتلمس به عفو الغرب عنه وشراء ودَهم ورضاهم بمئات الملايين من الدولارات واستسلامه وتسليم جميع اسلحته للغرب. وقد قامت مظاهرات من قبل منظمات حقوق الإنسان في أوروبا في 11-3-2002 تطالب بالافراج عن المعتقلين في السجون الليبية كمؤسسة الرقيب لحقوق الانسان ومؤسسة التضامن لحقوق الإنسان واللجنة العربية لحقوق الإنسان

15
وهل تعلم أن جاك تايلور مؤلف كتاب أوراق الموساد المفقود قد أتهم القذافي صراحة بأن جذوره يهودية من حيث الأم اليهودية ودلل على ذلك بأدلة منها حرص القذافي على لقاء تاجر السلام اليهودي يعقوب نمرودي وقد دلل مؤلف الكتاب على ذلك بأدلة ومنها تحقيقا
نشر عام 1970 في صحيفة أوجي
oggi
الايطالية حول نسب القذافي وأن أمه يهودية كانت تعيش في منطقة سرت الليبية. ودلل على ذلك بالرسالة التي وردت للخارجية الليبية عام 1972 للرئيس القذافي باللغة الايطالية وترجمها للعربية السفير خليفة عبدالمجيد المنتصر وقد أرسلت من قبل كاردينال مدينة ميلانو يذكره فيها بالدماء اليهودية والمسيحية التي تجري في عروقه ويناشده بموجب ذلك أن يلعب
دوراً في التقريب بين أبناء الديانات الثلاث. ومعلومات أخرى مفصلة تدور حول نفس القضية


16
وهل تعلم أن القذافي يختار كل عام 7 من ابريل موعداً سنويا لاعدام الأحرار من أبناء ليبيا لأنه يوافق عيد الفطر التلمودي. وهل تعلم أن القذافي أمر بهدم ضريح سيدي حمودة وهو أحد المجاهدين الذين حرضوا أهالي طرابلس على اليهود فقتله اليهود ثم هدم ضريحه عام 1980 وجعله موقفا للسيارات بميدان الشهداء بطرابلس

17
وهل تعلم أن القذافي يتبنى دعم حركة أبناء الرب التي يتزعمها اليهودي موشي ديفيد والاغراق عليها بالأموال وهل تعلم أن القذافي هو من غيب الإمام موسى الصدر ورفيقيه بعدما خطفهم ثم قتلهم وهم من كبار علماء المذهب الشيعي, وأيضا قام بقتل الكثير من علماء أهل السنة

18
وهل تعلم أنه تم رصد حالات التخريب والتدمير والتحرش واثارة النزاعات بين الدولة التي تدخل فيها القذافي فبلغت 130 حالة. وأنه دعم ودرب وساند أكثر من 14 منظمة إرهابية

19
وهل تعلم أن القذافي تبرع بمليون ونصف المليون مارك لنادي ايذارلون مقابل وضع صورته على ملابسهم كما في جريدة الاهرام
Par samir12
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mardi 20 décembre 2 20 /12 /Déc 13:48
Par samir12
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus